أخبار العالم

أخبار العالم بوابة الأخبار


بحث
11:39, 05 أبريل 2014 السبت
حكاية التركمان الشرق أوسطيين التي لم تحكى بعد

حكاية التركمان الشرق أوسطيين التي لم تحكى بعد
يشارك التركمان الذي يعيشون في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين لأكثر من ألف سنة في ثقافة المنطقة وتراثها الحضاري الغني



أخبار العالم – أرتان قربآسياوي

مع دخول الحرب في سوريا عامها الثالث سلّط قصف نظام بشار الأسد للمنطقة الشمالية من حلب الضوء على مسألة السكان التركمان السوريين.فتواجد التركمان السوريين المتمركز بكثافة في محافظة حلب كان جزءاً مكمّلاً من التراث السوري لفترة تنوف عن ألف سنة. ولفتت التوترات المتزايدة في شمال العراق الذي يحتضن أيضاً كثافة عددية ضخمة من السكان ذوي الأصل التركماني النظر إلى نضال التركمان في الشرق الأوسط.

ولا يجب الخلط بينهم وبين الترك في تركيا والتركمان في تركمانستان؛ فإن الشعب التركماني في الشرق الأوسط لقي القليل جداً من الاعتراف بوجوده منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية في أوائل القرن العشرين، ومع الأسف، فإن أكثر الناس الذين لا علم لهم بالتنوع العرقي في الشرق الأوسط يجهلون حقيقة وجود شعب كهذا في المنطقة؛ مع أن الملايين من التركمان ممن تشتتوا فيها لم يعيشوا لما يزيد عن ألفية كاملة فحسب، بل وحكموها لأكثر الوقت.

يتحدّر التركمان من قبيلة أوغوز (الغُزّ) ذات العرق التركي والتي ترجع في الأصل إلى أواسط آسيا. ويُعتقد بأن أول وصول للتركمان إلى منطقة الشرق الأوسط كان في القرن السابع الميلادي حين أتى عبيد بن زياد القائد العسكري في العراق أيام الدولة الأموية بأكثر من 1000 تركي من الأوغوز وضمّهم إلى جيشه. واستمرت هجرة التركمان إلى العراق بعد أن استولى العباسيون على الخلافة التي كانت في يد الأمويين. وبدأ التركمان شيئاً فشيئاً يعتنقون الإسلام بشكل فردي، وتماهوا مع السكان العرب هناك.

لقد ولد الخليفة العباسيّ المعتصم (833-842م) من أمّ تركمانية. وفي عهده انضمّ التركمان إلى الجيش بأعداد كبيرة حتى أنهم باتوا مسيطرين لدرجة تمكّنوا فيها من اغتيال الخليفة ’المتوكل على الله‘ في عام 861م، واستبدلوا به الخليفة المنتصر. وكان للسلاجقة - أحفاد قبيلة الغُزّ أيضاً ومؤسسو الامبراطورية السلجوقية العظيمة فيما يعرف اليوم بشمال شرق إيران- دور في انتصار العباسيين على البُوَيهيّين في القرنين العاشر والحادي عشر. حينئذٍ استقرّت الخلافة من جديد في يد العباسيين بعد هزيمة البُوَيهيين فاتخذوا بغداد عاصمة لهم، ولكن الشرق الأوسط من إيران إلى البحر المتوسط بات تحت السيطرة السلجوقية.

بدأ التركمان يستوطنون في مدن رئيسية كتلّ عفر وأربيل وكركوك ومندلي تحت قيادة السلطان ركن الدين طغرل بك. وكان للتركمان في بلاد الشام أيضاً دور مهم في طرد الغزاة خلال الحملة الصليبية المسيحية على الشرق الأوسط؛ ودُعموا حينها من قبل الجيوش المملوكية في مصر التي كانت تتشكل في الغالب من جنود أتراك من قبيلة قبجاق. وقد كانت إمارة تُتش وإمارات الأرطقيين والزنكيين والأيوبين من المماليك والسلاجقة الذين استقروا في المنطقة في القرن الثاني عشر للدفاع عن الأرض المقدسة؛ إلا أنّ الشرق الأوسط شهد دماراً عظيماً حين اكتسح المغول آسيا وجاسوا في بغداد يعيثون فيها فساداً وخراباً، منهين بذلك الخلافة العباسية في القرن الثالث عشر.

ومن السخرية بمكان أن كثيراً من الجنود في الجيش المغولي كانوا أتراكاً أيضاً من قبائل أواسط آسيا قد تم إلحاقهم بالجيش؛ ولم يكونوا بعد قد تعرفوا على الإسلام على عكس أولاد عمومهم من المماليك والسلجوقيين. فاستوطنت الجيوش المغولية في الشرق الأوسط بعد أن سطرت تاريخاً من الموت والخراب لم يسبقهم إليه أحد وبعد أن تابعوا قتالهم حتى هُزموا على أبواب مصر على يد المماليك. ثمّ مضى قرن أو أكثر حتى شرع المغول باعتناق الإسلام وبدؤوا التآلف مع المجتمعات المحلية وثقافتها.

وقد تلا انحلال الدولة السلجوقية العظيمة نشوء إمارات جديدة عرف كلّ منها بـ"بايليك" (إقطاعية أو عِزْبة) في الأناضول وبلاد الشام؛ عندما كانت تتشكل ممالك في العراق وإيران كأمثال الصفويين. وفي منتصف القرن الثالث عشر تأسست إمارة في شمال غرب الأناضول عرفت بإمارة بني عثمان وما لبثت تتوسع في البلقان ووسط الأناضول حتى أصبحت ما يعرف رسمياً بالامبراطورية العثمانية.

تعززت شرعية الامبراطورية العثمانية في المنطقة حين هزم السلطان سليم الأول المماليك في مصر في أوائل القرن السادس عشر في معركة مرج دابق شمال سوريا ليحظى هو بالخلافة. وحسب سجلات الإحصاء السكاني للامبراطورية العثمانية في عام 1518 فقد كان عدد السكان في حلب 54276 نسمة منهم 36217 تركمانياً. والأمر ذاته بالنسبة للمنطقة، فقد خضعت لبنان للحكم العثماني الذي ترك الكثير من جنوده هناك كقاطنين مستقرين.

لقد حصّن السلطان سليمان القانوني بن السلطان سليم الأول شمال العراق من خصومه الصفويين عام 1534. وبعد احتلاله أُحضر التركمان من الأناضول إلى المنطقة – وكانوا يتبعون إلى الطائفة السنية المسلمة- ليحصل التوازن في المنطقة مع وجود الأتراك الأذريين الشيعة الذين كان الشاه اسماعيل الصفوي قد أحضرهم إلى العراق في أوائل القرن.

وفي ظلّ حماية العثمانيين ازدهر المجتمع التركماني في الشرق الأوسط فتمكنوا من التآلف مع جيرانهم العرب؛ وفي الوقت ذاته حافظوا على هويتهم العرقية واللغوية لقرون. وتدفقت مجموعات جديدة إلى المنطقة كلاجئين بسبب انهيار الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر مع آلاف من أتراك جزيرة كريت، والذين استقروا في لبنان هرباً من الاضطهاد في اليونان عام 1897. وبنى السلطان عبد الحميد الثاني مدينة الحميدية في لبنان لأتراك كريت الهاربين من وطنهم الأم؛ كما أن كثيراً منهم استقروا في طرابلس الشام والتي تؤوي حتى الآن حوالى 10 آلاف تركي كريتي.

من بعد ذلك وبعد انهيار الدولة العثمانية ألحقت جزيرة قبرص ببريطانيا التي أساءت استخدام السلطة فيها من خلال استغلال التوازن الاقتصادي في الجزيرة والاستيلاء على كل الممتلكات العائدة للأوقاف والتي كانت تمثّل الثروة المجتمعية المشتركة بين القبارصة الأتراك. ومن استطاع الفرار من الجزيرة فعل ذلك؛ فغادروا بالآلاف إلى تركيا في أوائل القرن العشرين تاركين ورائهم العالقين بسبب فقرهم. واضطر الكثيرون تحت ضغط تلك الظروف القاسية لإعطاء بناتهم إلى رجال الأعمال العرب الذين اعتادوا أن يزوروا الجزيرة قادمين من فلسطين. ويزعم البعض أن حوالى 4000 فتاة قبرصية تركية سلّمت لعرب فلسطينين بين عامي 1920 و1950 وقد استقر الكثير منهنّ في غزة. لذا فإن كثيراً من الفلسطينين اليوم ذوو جدّات قبرصيات تركيات.

ثمّة تقديرات متعددة حول عدد التركمان المقيمين في الشرق الأوسط في الوقت الراهن. وقد كانت عمليات الإحصاء التي قامت بها أنظمة أحزاب البعث العربية في سوريا والعراق محل انتقاد التركمان لأنها لا تبيّن أعدادهم الحقيقية. وبينما حدّت بعض الجهات أعداد التركمان بنصف مليون في الشرق الأوسط، أعلنت مصادر أخرى أن الشرق الأوسط يحوي ما بين ستة إلى سبعة ملايين تركماني يقطنون في مدن ككركوك وأربيل وحلب واللاذقية. وقد قام التركمان العراقيون في عام 1923 بحملة طالبت تركيا بضم الشمال العراقي المعروف حينئذٍ باسم مدينته الأساسية "الموصل". ولا يزال التركمان يحاولون التواصل مع تركيا كي تدعمهم في الحرب الأهلية السورية الحالية ضد اعتداءات النظام السوري والمجموعات المرتبطة بالقاعدة عليهم.

وبعض النظر عن أعدادهم الدقيقة، فإن الأتراك المتحدرين من الغزّ والقاطنين في الشرق الأوسط قد يصعب القول أنهم أقلية بالمعنى المعتاد للتعبير الديموغرافي (المتعلق بالتعداد السكاني)، كما لا يمكن القول أنهم اندمجوا في العالم العربي؛ بل يمكن القول أنهم جزء أساسي من فسيفساء الشرق الأوسط والتي لا يمكن اكتمالها بغيرهم وسيظلون كذلك. فهم لم يعيشوا جنباً إلى جنب مع العرب والأكراد وغيرهم من المجتمعات لقرون عديدة فحسب، بل وتزاوجوا وتناسبوا معهم وتشاركوا معهم اللغة والثقافة وتاريخ المنطقة؛ وبالتالي ساهموا في إغناء الحضارة والتراث الذي تشترك فيه جميع شعوب الشرق الأوسط.

 

ترجمة: يمان كيالي


  • Google
  • digg
  • delicious
  • FriendFeed
  • facebook
  • طباعة
  • Mail Gönder


تعليقات

بعض الملاحظات
08/04/2014, 09:42
( فراس الببيلي )

النص جميل ومختصر لتاريخ طويل لكن بشكل جميل وممتع وحتى الترجمة جاءت على شكل رواية تاريخية قريبة من الحكاية لهذا لم تكن مملة أحيي المترجم على هذا الأداء الراقي والعالي في الترجمة ولكم جزيل الشكر ملاحظة صغيرة حول التتار هم فيما بعد أصبحوا مسلمين بعد دخولهم دمشق وكان العنصر العربي له دور كبير في دعم الأتراك و السلاجقة وغيرهم في حروبهم وحتى في حرب تحرير التركية كان العرب متواجدين لحبهم لتركيا وحتى الأن
لفته صغيرة
06/04/2014, 11:19
( abuhussam )

الشكركل الشكر لهذا المقال القيم ولمن كتبه ونشره . يمكن مراجعة كتاب : مدخل للحروب الصليبية . الدكتور سهيل زكار . طباعة دمشق . تاريخ التركمان ... الدكتور اسامة التركماني . طباعة حمص . موجز تاريخ تركمان العراق . صابر ضابط . كتاب العقود اللؤلؤية في تاريخ المرأة التركمانية ( محمد خير عيد ) . الجولان .
كتابة التعليق








متوسط ​​الحروف:






حصدت شبكة “الجزيرة” الإعلامية للسنة الثانية على التوالي جائزة أفضل موقعإخباري، مع خمس جوائز أخرى، وأربع شهادات تقدير، في ملتقى جوائز الإعلامالرقمي السنوي OMA، الذي أقيم مساء الخميس، في العاصمةالبريطانية لندن.
قال مكتب جاكوب زوما رئيس جنوب أفريقيا اليوم الأحد إن الرئيس نفى امتلاك قصر في دولة الإمارات العربية المتحدة بعد أن ذكرت وسائل إعلام محلية إن عائلة واسعة النفوذ اشترت له منزلاً في دبي.
بدأ الاجتماع الذي دعت له روسيا صباح الجمعة، والذي ضم إلى الجانب الروسي معارضين سوريين. واستهل وزير الخارجية الروسي الاجتماع بكلمة افتتاحية. وأعلن خلال كلمته أن محادثات الأزمة السورية المقررة في جنيف