أخبار العالم

أخبار العالم بوابة الأخبار


بحث
11:11, 08 ديسمبر 2014 يوم الاثنين
التدخل الفرنسي في مالي بين الأسباب والتداعيات
التدخل الفرنسي في مالي بين الأسباب والتداعيات
يُخلف التدخل العسكري في أي دولة باستمرار أثار خطيرة تغذي التوترات، الحروب الأهلية والنزاعات الداخلية وتزيد من اشتعالها إذْ تسعى دوما لتقسيم الدولة الوطنية ونهب ثوراتها وخيراتها ،وأكبر دليل على ذلك ما حدث في مالي بعد التدخل العسكري الفرنسي فيها.



 

أخبار العالم - عبير شليغم

  التدخل العسكري الفرنسي في القارة الإفريقية عامة ليس جديد، حيث شهدت دولها منذ الاستقلال العديد من التدخلات من قبل فرنسا، فهي متواجدة في القارة منذ الحقبة الاستعمارية، ولا زالت سواء أكان ذلك من خلال شركاتها المتعددة الجنسيات التي تسعى دوما لاستغلال واستنفاذ طاقات وموارد القارة، أو من خلال مختلف الالتزامات والاتفاقيات العسكرية بينها وبين المستعمرات التابعة لها سابقا.

  يُخلف التدخل العسكري في أي دولة باستمرار أثار خطيرة تغذي التوترات، الحروب الأهلية والنزاعات الداخلية وتزيد من اشتعالها إذْ تسعى دوما لتقسيم الدولة الوطنية ونهب ثوراتها وخيراتها ،وأكبر دليل على ذلك ما حدث في مالي بعد التدخل العسكري الفرنسي فيها. حيث تجدر الإشارة التدخل العسكري الفرنسي في مالي لم يحل النزاع ، بل خلّف تداعيات ألقت بظلالها ليس فقط على دولة مالي المتنازع فيها ، وإنما مسّت العديد من الدول المجاورة من منظور الأمن المركب Security Complex الذي جاء به المفكر باري بوزان Barry Buzan.

 بناءَا على ما سبق؛ يسعى هذا التقرير إلى تسليط الضوء على مختلف الأسباب التي كانت وراء هذا التدخل، فضلا عن إبراز مختلف التداعيات التي خلّفها هذا التدخل من تداعيات أمنية بتزايد وتنامي نشاط الجماعات الإرهابية،إلى جانب الأعداد الكبيرة من اللاجئين، مرورا بالتداعيات السياسية والاجتماعية، لنصل في الأخير للتداعيات الاقتصادية.

1- أسباب التدخل الفرنسي في مالي.

  التدخل العسكري الفرنسي في القارة الإفريقية بما فيها مالي يرجع للعديد من الأسباب والمحددات، نوجزها في  أهمية الواقع الجيوبوليتيكي، السياسي وحتى الاقتصادي.

-الأهمية الجيوبوليتيكية لدولة مالي:

تحتل مالي أهمية جيوبوليتكية متميزة؛ من حيث الموقع، المساحة والموارد، يجعل هناك منظومة من المصالح السياسية والاقتصادية للدولة الفرنسية ويحفزها دائما على التدخل لحماية تلك المنظومة، وعلاوة على ذلك فإن وجود دولة مالي في العمق الاستراتيجي للدول المغاربية، يحقق لفرنسا قدر من الأمن والحماية لأهدافها ولمصالحها المتنوعة في تلك الدول، بالإضافة إلى مجموعة الدول الفرنكفونية الأخرى المجاورة لمالي. ومن ثم يصبح التدخل في مالي مسألة منطقية ضمن حسابات المصالح المتنوعة للدولة الفرنسية.

-النظام السياسي لدولة مالي:

 وفقاً للعلاقات المتميزة للدولة الفرنسية مع الأنظمة الحاكمة في الدولة المالية الموالية لها، تترسخ عقيدة سياسية وأمنية، لدى صناع ومتخذي القرارات والسياسات في الحكومة الفرنسية، بأهمية الحفاظ على تلك الأنظمة المشايع لها، ومن ثم فإن أية تغييرات يمكن أن تطرأ على الواقع السياسي لدولة مالي، ويتعارض مع أهدافها ومصالحها، يحتم عليها التحرك والتدخل السريع والعاجل لاستعادة الأوضاع، والحيلولة دون حدوث تغييرات سياسية يمكن أن يكون لها تأثير مباشر أو غير مباشر على منظومة المصالح الفرنسية.

-الأهمية الجيو اقتصادية لدولة مالي:

بالإضافة للأهمية الجغرافية المتميزة التي تتمتع بها مالي، فضلا عن المصالح السياسية الفرنسية في مالي، فإنها تتميز بمجموعة من الموارد الاقتصادية الهامة والتي زادت من أهمية تلك المنطقة، فهي تزخر بالعديد من المعادن والثروات من ذهب، البوكسيت، اليورانيوم، الحديد، والنحاس، اللتيوم، المنغنيز والفوسفات والملح... ومعادن أخرى إستراتيجية. ويعتبر الذهب أهم المصادر المعدنية للاقتصاد المالي، إذْ تعد ثالث أكبر منتج للذهب في أفريقيا بعد جنوب أفريقيا وغانا. إلى جانب ذلك؛ يتصدر القطاع الزراعي أهم القطاعات التي يرتكز عليها اقتصاد مالي، حيث تقدر مساحة الأراضي المزروعة بمالي حوالي 3 مليون هكتار أي ما يمثل 10% من الأراضي الصالحة للزراعة بالبلاد، فيما تعد الثروة الحيوانية ثاني أكبر ثروة بالبلاد بعد الزراعة، وتمثل حوالي 10% من الناتج الوطني الخام ويعتمد عليها حوالي 30% من السكان، وتتركز الثروة الحيوانية بالمناطق الشمالية من البلاد، كما أنّ قطاع الصيد لا يقل أهمية عن باقي القطاعات، فهو يشكل حوالي 4.2% من الناتج المحلي الإجمالي،ويعمل فيه قرابة ربع مليون شخص، وينتعش نشاط الصيد في المناطق القريبة من دلتا النيجر وبحيرات "سلينكي" و"مانتنلي" وبحيرة "دبو".

  بناءَا على ذلك؛ فإن للمصالح الاقتصادية أيضا اهتمام كبير من جانب الحكومات الفرنسية المتعاقبة، وهو ما يُملي عليها ضرورة التعامل الجاد مع الشأن المالي بأقصى درجات الاهتمام، حتى ولو استخدمت فرنسا في سبيل ذلك التدخل العسكري ذاته.

2- تداعيات التدخل الفرنسي على دولة مالي.

   عرفت مالي العديد من التداعيات كانت نتيجة للتدخل الفرنسي فيها، إذْ أن فرنسا لم تتمكن من حل النزاع وإنما عملت على إحياء وتقوية الجماعات الإرهابية، حيث تحوّلت مالي إلى نقطة ارتكاز مهمة للتنظيمات الإرهابية، سواء من خلال تأمينها ملاذا أمنا للإرهابيين أو معقلا للتدريب أو نقطة انطلاق لهم أو وجهة نهائية لهم، فضلا عن تفاقم الجريمة المنظمة الذي سهّل حركة المهربين للسلاح وتجار المخدرات، وحتى مهربي البضائع والأشخاص، ناهيك عن الأعداد الهائلة للنازحين الماليين ومختلف الأمراض والأوبئة.

-التداعيات الأمنية والعسكرية .

   أخذت الانعكاسات الأمنية والعسكرية جراء التدخل الفرنسي في مالي صورتين تلك التّهديدات الصلبة المتمثلة في تفشي الجريمة المنظمة وانتشار جميع أنواع الأسلحة الخفيفة والثقيلة بفعل تدخل حلف الناتو وانهيار نظام القذافي، وأخرى ليّنة تمثلت في الهجرة غير الشرعية وجميع الأمراض والأوبئة المتفشية من جراء ذلك. فيما يتعلق بالهجمات الانتحارية بدولة مالي فقد قدّرها المراقبون ما بين9 فيفري و22 ماي 2013 باثني عشر هجوما انتحاريا في مدن" تمبكتو وغاو وكيدال وميناكا وغوسي " وهي مناطق كانت تحت سيطرة الإسلاميين قبل التدخل الفرنسي، ففي 8 فيفري 2013 شهدت مالي الهجوم الانتحاري الأول في البلاد عندما فجر مهاجم نفسه في مدينة غاو التي تعتبر إحدى المدن الرئيسية في مالي، بعد ذلك بيومين هز هجوم انتحاري آخر نقطة تفتيش عسكرية عند مدخل المدينة، تلا ذلك هجوم آخر كان لنقطة تفتيش عسكرية قرب مطار تمبكتو يوم 21 مارس 2013 .

وفقًا لبيانات المنظمة العالمية للهجرة فإن هناك ما  يفوق 200 ألف نازح داخليًا في مالي فروا من منازلهم في الشمال بعد أن احتل مسلحين المنطقة ،وقد لجأ معظم النازحين لدي عائلات مضيفة أو في مستوطنات مؤقتة ، وآخرون يعيشون في العراء موزعون في كايس kayes  908 ، كوليكور  koulikoro 1947 ، سيكاسو  Sikasso 5643  ، سيغوSégou   8387 ، موبتي Mopti  54647 ، باماكو Bamako  6317. أطلقت المنظمة العالمية للهجرة في جنيف نداءً لجمع ستة ملايين دولار أمريكي لمواصلة عملياتها لإغاثة النازحين في مالي ،حيث أفادت المنظمة بأن الأسر المضيفة فقيرة ، وبعضها يستقبل ما يصل إلى 30 نازحًا يتقاسمون طعامهم ، مفيدة أنه ما لم يجر إمداد هذه الأسر بالمساعدات الغذائية فإنها ستجبر النازحين على الرحيل مما يزيد من الأزمة الإنسانية تعقيدًا.

   حيث أوضحت اللجنة  الدولية للصليب الأحمر في تقرير لها أنّ آلافَ هربوا إلى منطقة تينزواتين في المنطقة الشمالية الشرقية في مالي، و معظمهم جاءوا من " غاو  كيدال وميناكا " في شمال البلاد. وقال "جان نيكولا مارتي" رئيس بعثة اللجنة الدولية في مالي والنيجر في بيان "الناس الذين يعيشون تحت الأشجار والمنازل المهجورة أو في المركبات المحترقة ليست لديهم موارد لشراء الطعام". والمشردون اضطروا إلى ترك كل شيء وراءهم ، وهم يعيشون في عوز تام على حد قوله ،كما أن اللجنة الدولية سترسل قافلة مساعدات من نيامي عاصمة النيجر لتينزواتين خلال 48 ساعة القادمة.

   فمنذ بدء النزاع في بداية عام 2012 نزح ما يقرب من 431,000 شخص (260,665 نازحاً داخلياً و170,313 لاجئاً) بالإضافة إلى وجود نحو 4.3 مليون شخص بحاجة إلى المساعدات الإنسانية، وفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية  أوتشا.

-التداعيات السياسية والإجتماعية .

فيما يتعلق بالتداعيات السياسية؛ فقد صرح وزير الداخلية المالي " سينكو موسى كوليبالي" أنّ نسبة المشاركة بلغت 53.5% في حين أن نسبة المشاركة في الانتخابات السابقة لم تكن تتعدى 40%، وبالنسبة إلى الماليين في الخارج، لم تتجاوز نسبة المشاركة 10%، حيث شارك مراقبون دوليون بينهم نحو مائة مراقب من الاتحاد الأوروبي في مراقبة سير الانتخابات، وتولى تأمين الانتخابات نحو 6300 جندي من قوة الأمم المتحدة بمساعدة 3200 جندي فرنسي ما زالوا موجودين في مالي، وانتهت الانتخابات بفوز المرشح " إبراهيم أبو بكر كيتا(68 عاما) رئيس وزراء سابق على خصمه "سومايلا سيسي" (63 عاما) وزير المالية السابق.

  أما ما تعلق بالتداعيات الاجتماعية؛ فقد تم تدمير العديد من أضرحة الأولياء ومنها ما هو مسجل باسم التراث العالمي في منظمة اليونسكو، حيث نقلت عدد من سائل الإعلام إحراق مكتبات كثيرة تحوي كتبا قيمة عن التراث المحلي وخاصة في مدينة تومبكتو. 

 إلى جانب الاتجار بالبشر وتجنيد الأطفال، إذْ يعتبر الأطفال من أكثر الفئات تعرضاً لمخاطر وآثار الحروب الأهلية؛ فهم إما يتعرضون للقتل أو الإعاقة أو التشريد عن منازلهم أو الانفصال عن ذويهم ، بيد أن الآثار الواقعة على الأطفال في الحروب تفاقمت باستخدام الأطفال كأداة في الحرب، حيث تستخدمهم الجيوش النظامية للقيام بكافة أنواع الأعمال كطهاة، أو محاربين أو جواسيس أو كأدوات للكشف عن الألغام..... إلخ.

   فكشف تقرير لصندوق الأمم المتحدة للطفولة «يونيسيف» UNICEF أن الأطفال في شمال مالي يتعرضون للتجنيد القسري والاغتصاب والقتل بالمتفجرات والتمثيل بالجثث على أيدي المجموعات المسلحة في تلك المناطق، أوضح أن 175 صبيا على الأقل ممن تتراوح أعمارهم ما بين 12 و18 عاما تم تجنيدهم من قبل المسلحين، فضلا عن اغتصاب 8 فتيات على الأقل ومقتل صبيين بواسطة متفجرات والتمثيل بـجثث 18 آخرين. بالإضافة لتجنيد الأطفال فقد يتم تهريبهم من دولة مالي إلى دول أوروبا من مالي عبر موريتانيا المغرب، إسبانيا، أو عبر المحور الآخر مرورا بالجزائر نحو تونس وصولا إلى إيطاليا، إذْ تُقدّر قيمة تهريب طفل عبر هته المناطق بحوالي 10000 إلى 20000 دولار ولا يقتصر التهريب على الأطفال فحسب بل حتى على الكبار فمثلا تهريب المرأة ما يكلف بـ 50000دولار.

  كما عانت مالي من أزمة التغذية، فعلى طول الحزام الصحراوي الذي يربط مالي بالنيجر مرورا بموريتانيا تهدد المجاعة الملايين من الناس نتيجة العجز الفادح في الحبوب، حيث قدمت منظمة "أوكسفام جي بي" أرقاما مقلقة، تشير إلى أن 13 مليون شخص مهددون بالمجاعة في الساحل منهم 5 ملايين في النيجر و3 ملايين في مالي، ومن المعلوم أن العنف المتولد عن نقص الغذاء هو بمثابة قنبلة موقوتة في منطقة الساحل الإفريقي.

  علاوة على ذلك؛ أدى النزاع في مالي إلى تعطيل الدراسة 700 ألف طفل من بينهم 200 ألف لا يستطيعون الذهاب إلى المدرسة مطلقا، بالإضافة إلى مليون طفل لم يذهبوا إلى المدرسة حتى قبل بداية الأزمة، كما أشادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) إنه منذ جانفي 2012 أُغلق ما لا يقل عن 115 مدرسة في شمال مالي، نهبت ودمرت، وفي بعض الحالات زرعت بالذخائر غير المتفجرة. هذا بالإضافة لتفشي مرض الكوليرا في "غاو بشرق مالي" على نطاق واسع بسبب عدم توفر مياه الشرب النظيفة، حيث تمّ الإبلاغ عن إصابة 22 شخصا بالكوليرا توفي منهم اثنان. 

-التداعيات الإقتصادية .

  يعد الاقتصاد أحد الأبعاد الحيوية للأمن الوطني، حيث تمنح القوة الاقتصادية ثقلا سياسيا للدولة على المستوى المحلي والإقليمي وحتى العالمي، حيث عرّف الأمن "جوزيف ناي" بقوله: "غياب التهديد بالحرمان الشديد من الرفاهية الإقتصادية"، كما ركز" روبرت ماكنمارا Robert Mcnamara "على التنمية كمحور أساسي للأمن الوطني.

    أمتد الخطر في مالي للجانب الاقتصادي مما يزيد بدوره الوضعية الاقتصادية لمنطقة الساحل تدهورا، تمثل ذلك في هجرة الشركات القليلة التي كانت تستثمر في مالي، كما تأثرت الصناعة، حيث أغلقت 20% من المصانع في العاصمة، ما أنتج ارتفاعا مذهلا للأسعار والبطالة التي تقارب  18.

 صفوة القول؛ التدخل العسكري الفرنسي في البلدان الإفريقية عامة تتم بذريعة حماية الرعايا الفرنسيين وتحرير الرهائن في هذه الدول أو محاربة المجموعات الانفصالية والمتمردين الذين لهم مشاكل مع الحكومة المركزية في هذه البلدان كما حدث في مالي، بيد أنّ حقيقة هذا التدخل مرده للمصالح الاقتصادية الفرنسية وذلك بعد تراجع نفوذ المستعمر السابق مقابل تنامي وتزايد نفوذ قوى صاعدة في تعاملاتها الاقتصادية والتجارية في مالي خاصة الصين والهند وكذا اليابان وغيرها.


  • Google
  • digg
  • delicious
  • FriendFeed
  • facebook
  • طباعة
  • Mail Gönder


كتابة التعليق








متوسط ​​الحروف:






حصدت شبكة “الجزيرة” الإعلامية للسنة الثانية على التوالي جائزة أفضل موقعإخباري، مع خمس جوائز أخرى، وأربع شهادات تقدير، في ملتقى جوائز الإعلامالرقمي السنوي OMA، الذي أقيم مساء الخميس، في العاصمةالبريطانية لندن.
قال مكتب جاكوب زوما رئيس جنوب أفريقيا اليوم الأحد إن الرئيس نفى امتلاك قصر في دولة الإمارات العربية المتحدة بعد أن ذكرت وسائل إعلام محلية إن عائلة واسعة النفوذ اشترت له منزلاً في دبي.
بدأ الاجتماع الذي دعت له روسيا صباح الجمعة، والذي ضم إلى الجانب الروسي معارضين سوريين. واستهل وزير الخارجية الروسي الاجتماع بكلمة افتتاحية. وأعلن خلال كلمته أن محادثات الأزمة السورية المقررة في جنيف