أخبار العالم

أخبار العالم بوابة الأخبار


بحث
09:36, 20 يناير 2015 الثلاثاء
تحديات البناء في عصر الاضمحلال العربي

تحديات البناء في عصر الاضمحلال العربي
فقد بدأت تظهر مؤشرات العجز في الميزانيات الخليجية لتؤذن بانسحاب المظلة عن النظام المصري الحالي والذي يواجه أزمة وجودية للحفاظ على الدولة اقتصاديا بعد الاستنزاف المجتمعي الذي يجمد الحالة المصرية وهي في وضع الانحدار،



 

أخبار العالم - محمد سليمان الزواوي

مثلما كانت حقبة ما بعد الحرب العالمية الأولى هي مرحلة ولادة للعالم العربي بشكله الحالي، فإن الحقبة الراهنة باتت تشكل حالة من الانحدار الممنهج للمنطقة التي شهدت بعد ربيعها الموؤود تداعيات اقتصادية واجتماعية ودينية تتفاعل في الوقت الراهن لتشكل عصرا جديدا للاضمحلال العربي.

تشير جغرافيا العالم العربي إلى صحرائه الواسعة الجدباء كأهم معلم له، يتخللها نقاط نفطية عملت في العقود الأربعة الماضية كحواضر مضيئة اكتسبت زخمًا في سنوات ما بعد حرب السادس من أكتوبر وما صاحبها من ارتفاع للشعور بالعزة وارتفاع كذلك في أسعار النفط، إلى جوانب النقاط المضيئة الأخرى لحواضر العالم العربي في بغداد ودمشق والقاهرة، والتي تتعرض الآن لحالة من الانحدار والتدمير الذاتي بسبب تراكم الجرائم التي ارتكبت في حق شعوبها على مر عقود بسبب فشل منظومات الحكم في ظل صعود وهبوط القومية العربية، ليدخل العالم العربي حالة من التهديد لحواضر النفط الأخرى، ذلك الخام الأسود الذي يهتز عرشه بقوة اليوم، وما يتبعه بالضرورة من تهديد لتلك الحواضر الصحراوية حديثة الإنشاء.

فاليوم بعد أن تعرضت الحواضر الثقافية التاريخية للعالم العربي للانقسامات الداخلية والحروب الأهلية، فإن نقاط النفط اليوم في كل من ليبيا وشمال العراق وشرق سوريا أصبحت كلها نقاط تماس لحروب طاحنة تشكلت بعد انهيار الدولة في تلك المناطق، وباتت معارك النفط في ليبيا على سبيل المثال بمثابة الثقب الأسود الذي يبتلع بقايا الدولة الليبية، فيما بزغ دور الفواعل من دون الدول كالمليشيات المسلحة في المشرق العربي، لتعمل هي الأخرى كمعاول هدم ذاتي لما تبقى من حطام العراق وسوريا، لتنحسر الأهمية الاستراتيجية للعالم العربي إلى ما دون الخطوط الطاقوية، لتتقلص إلى مجرد معابر استراتيجية في كل من قناة السويس وباب المندب، فيما تشتعل الحروب الطائفية بالوكالة على يد القوى من خارج الإقليم لتعمل على تفتيت الكيان العربي إلى جزئيات سهلة الانقياد.

فاليوم يبزغ الدور الخارجي في المنطقة جليًا لإعادة تشكيل المنظومة الإقليمية، واستمرار عمليات النهش المستمرة وتجزئة العالم العربي إلى كانتونات متصارعة، وذلك بتقوية كل ضعيف في المنطقة من أجل استكمال منظومة انهيار الأنظمة لتتعداها إلى انهيار الدول، ليبزغ دور المليشيات الطائفية الشيعية والسنية، ويبزع دور المليشيات العرقية من الأكراد هي الأخرى كأحد أهم الرهانات الغربية لتشكيل مناطق عازلة لكل كيان مجزئ، فيما تتراجع أهمية النفط بتراجع أسعاره وباكتشافات الغاز الصخرية الأمريكية والصينية، بتداعيات اقتصادية واجتماعية محتملة يتوقع أن تكون غير مسبوقة في المستقبل القريب.

ومن أجل مقاومة تلك التداعيات لا تملك الأنظمة العربية الباقية سوى خيار تخدير الشعوب، وإفراغ المنطقة من بعدها الديني لأغراض سياسية، ومنع كل صوت يقدم نوبة استيقاظ للشعوب التي يجب أن تظل ممنخفظة الرؤوس، فالرؤية السائدة للأمن القومي العربي القديم هي الالتحاق بركب الغرب للحفاظ على أمن المنطقة وأنظمتها، في مقابل الرؤى الأخرى التي تهدف إلى إعادة تشكيل منظومة الأمن القومي باستدعاء مظلتها الدينية والقيمية، والحفاظ على الهوية الحضارية للأمة، استنادًا على تفويض الشعوب وتحملها جميعا مسئولية البناء واختيار حكامها.

والاختيار السلطوي الحالي بالحفاظ على المنظومة القديمة للأمن العربي سيكون له تداعيات هائلة طالما بقيت المنطقة عصية على التغيير وإعادة البناء تأسيسًا على ترشيد أنظمة الحكم، فستستمر دائرة الهدم والتقسيم وستطال الجميع لاسيما بعد انتزاع عامود الخيمة للعالم العربي المصنوع حصرًا من النفط، وسترتفع بالتوازي معها أسهم الجماعات الراديكالية التي سيعزز خياراتها زيادة الجنوح للأنظمة العربية نحو التخدير "الفني والثقافي" حفاظًا على المسار القديم.

فقد بدأت تظهر مؤشرات العجز في الميزانيات الخليجية لتؤذن بانسحاب المظلة عن النظام المصري الحالي والذي يواجه أزمة وجودية للحفاظ على الدولة اقتصاديا بعد الاستنزاف المجتمعي الذي يجمد الحالة المصرية وهي في وضع الانحدار، وربما تظهر الأشهر القليلة القادمة تحولاً نوعيًا في قدرة النظام على التماسك، وهو ما قد يجر وراءه سلسلة من التداعيات تمتد حتى ضفة الخليج العربي.

عكس اتجاه الاضمحلال العربي يكمن في الحكم الرشيد، والعقلاء يرون ذلك كحل وحيد وأخير لاسيتعاب تشوهات المنطقة، ولكن يتبقى السؤال هو متى وكيف ستستجيب الأنظمة القائدة الباقية في الإقليم لهذا العلاج وبأي تكلفة، لاسيما في ظل توازي خطين متسارعين: انخفاض الاحتياطات النفطية والنقدية الأجنبية، وتصاعد نموذج المليشيات المسلحة التي تهدف إلى استعادة الخلافة الإسلامية، في ظل بيئة طاردة للبناء وللبنائين، جاذبة للمخدرات والمخدِّرين.

وهذا على الجانب الآخر يلقي ثقلاً على "البنائين" والهادفين لاستعادة مظلة الحضارة الإسلامية الذين يطلب منهم الآن أكثر من أي وقت مضى نشاطًا باتجاه بناء النموذج والقدوة ومقاومة موجات التخدير والتدمير، والارتكان إلى الثوابت الأخلاقية للحضارة الإسلامية، وفي هذا السياق يبرز النموذج التركي الذي يمخر عباب بحر مضطرب يحاول استعادة ثوابته الحضارية والسياسية في عمقه الاستراتيجي ويتمسك بدوره الأخلاقي في المنطقة، ومن بينها رفض الانقلاب المصري، برغم كل المشكلات التي تحيط به.

وكل المؤشرات تفيد بإنهاك واستنزاف القدرات العربية المحدودة بالأساس، والتي تقوضها الحقبة القادمة لنضوب النفط وسقوطه من عرش الذهب الأسود، ليصبح في مرتبة متأخرة بعد الغاز الصخري، لاسيما في ظل المشكلات الأمنية التي تحيط بآباره في المنطقة العربية الملتهبة، والتي تهدد بدورها النماذج العربية المحدودة المستندة على تقديم الخدمات العقارية والتجارية في الخليج، بعيدًا عن النفط، ودفع أثمان باهظة نتيجة تدخلاتها السياسية والعسكرية السلبية والهدامة للربيع العربي.

وإلى أن ينعكس اتجاه ذلك الاضمحلال نتيجة مصالحة عربية شاملة بين الأنظمة والشعوب في صيغة منظومة للحكم الرشيد، فإن المستقبل يبدو رماديًا غائمًا بلون أدخنة المعارك وحرائق آبار النفط في الإقليم، والصراعات المستمرة على السلطة والثروة وتفسير النصوص الدينية، في ظل استنزاف للاحتياطات النقدية ونضوب الموارد الاقتصادية وانحدار القيم الأخلاقية، في ظل فوضى إعلامية تقوض العقل العربي وتضخ سمومًا تشكك في الثوابت وحتى فيمن يمكن وصفه بالعدو، وتدشن لحقبة من الاستسلام للكيان الصهيوني في ظل تآكل ثوابت الأمن الإقليمي وقبول لدور إسرائيلي متزايد في المنطقة بترويج إعلامي فاضح.

ويظل الرهان على الشعوب العربية وقدرتها على انتشال ربيعها العربي من كبوته، وتمسكها بثوابتها الحضارية والثقافية والدينية، وعدم استسلامها لمنحدر السقوط في بئر الاضمحلال، والرهان كذلك على إعادة بعث لموجة جديدة من الثورات العربية إن لم تكن ثورات جماهيرية فلتكن ثورات فكرية، بإعادة تنقيح نموذج الإسلام السياسي وتقديمه في صورة جاذبة للشعوب العربية، وبرشاد سياسي يتمكن في النهاية من تفكيك الأزمة، واغتنام الظروف المأساوية الراهنة وأجواء الأزمات الاقتصادية القادمة لعقد صفقة تصب في النهاية في صالح الأمة وليس في صالح فصيل سياسي بعينه، والانتصار في النهاية في معركة البناء على أطلال الاضمحلال العربي.

 


  • Google
  • digg
  • delicious
  • FriendFeed
  • facebook
  • طباعة
  • Mail Gönder


كتابة التعليق








متوسط ​​الحروف:






حصدت شبكة “الجزيرة” الإعلامية للسنة الثانية على التوالي جائزة أفضل موقعإخباري، مع خمس جوائز أخرى، وأربع شهادات تقدير، في ملتقى جوائز الإعلامالرقمي السنوي OMA، الذي أقيم مساء الخميس، في العاصمةالبريطانية لندن.
قال مكتب جاكوب زوما رئيس جنوب أفريقيا اليوم الأحد إن الرئيس نفى امتلاك قصر في دولة الإمارات العربية المتحدة بعد أن ذكرت وسائل إعلام محلية إن عائلة واسعة النفوذ اشترت له منزلاً في دبي.
بدأ الاجتماع الذي دعت له روسيا صباح الجمعة، والذي ضم إلى الجانب الروسي معارضين سوريين. واستهل وزير الخارجية الروسي الاجتماع بكلمة افتتاحية. وأعلن خلال كلمته أن محادثات الأزمة السورية المقررة في جنيف