أمريكا الشمالية - 09:40, 17 أبريل 2017 يوم الاثنين
التحالف الأنكلو ـ عثماني نشأ بدوافع الحماية من مخاطر خارجية وانهار بعد زوالها

التحالف الأنكلو ـ عثماني نشأ بدوافع الحماية من مخاطر خارجية وانهار بعد زوالها
في افتتاحيتها تحدثت صحيفة «أوبزيرفر» البريطانية عن الانتخابات الرئاسية الأمريكية العام الماضي التي تم تحذير الناخبين الأمريكيين فيها من انتخاب مرشح لا علاقة له بالسياسة وكل ما لديه هي خبرة في تلفزيون الواقع وتجارة العقارات.


«القدس العربي» من إبراهيم درويش: في افتتاحيتها تحدثت صحيفة «أوبزيرفر» البريطانية عن الانتخابات الرئاسية الأمريكية العام الماضي التي تم تحذير الناخبين الأمريكيين فيها من انتخاب مرشح لا علاقة له بالسياسة وكل ما لديه هي خبرة في تلفزيون الواقع وتجارة العقارات.
وقيل لهم إن انتخاب دونالد ترامب سيكون اختياراً له تداعيات خطيرة. وتضيف الصحيفة إنه وبعد أقل من ثلاثة أشهر على دخوله البيت الأبيض فقد ثبت التوقع، فالتصرفات المتهورة للرئيس تدفع العالم نحو مرحلة متطرفة من عدم الاستقرار، وهذا واضح في طريقة معالجة الملف الكوري الشمالي. فقد تخلى الرئيس فجأة عن سياسته التي دافع عنها أثناء الحملات الانتخابية والقائمة على عدم التدخل في الشؤون العالمية ولعب دور «شرطي العالم». 
وبدأت عمليات التدخل بقرار طائش على مائدة عشاء في بالم بيتش ـ فلوريدا في كانون الثاني/يناير حيث أمر بعملية لقوات العمليات الخاصة في اليمن وهي التي رفض الرئيس باراك اوباما المصادقة عليها نظراً لخطورتها وانتهت بالفشل الذريع. 
وحاول ترامب بطريقة بائسة إبعاد نفسه عنها وحوّل انتباهه إلى سوريا العراق. وأعطى القادة العسكريين فيهما حرية التصرف خاصة أن البعض في البيت الأبيض ناقش أن الإدارة المصغرة للعمليات التي تبناها أوباما تؤثر على قرارات وحرية التحرك للقادة العسكريين. وكانت النتيجة ارتفاع عدد الضحايا المدنيين. 
ومنذ التصعيد العسكري الأمريكي لم يتقدم الجيش العراقي الذي يحاول استعادة غربي مدينة الموصل من تنظيم «الدولة» ولا «بوصة» واحدة منذ. والفرق هو زيادة المعاناة بين المدنيين المحاصرين في المدينة كما بدا واضحاً في الغارة الجوية الشهر الماضي التي قتل فيها أكثر من 150 شخصاً اختبأوا في ملاجئ بنايات استهدفها الطيران الذي تقوده قوات التحالف. 
وزاد ترامب من عدد القوات الأمريكية الخاصة مع اقتراب السيطرة على مدينة الرقة، عاصمة ما يطلق عليها «الدولة الإسلامية» ثم زاد من التصعيد عندما رد على الهجوم الكيماوي في بلدة خان شيخون بـ 59 صاروخًا على قاعدة جوية للنظام السوري. وكان من نتائج الهجوم مواجهة بين الولايات المتحدة وروسيا بتداعيات على الأمن في أوروبا الشرقية والناتو وميزان القوى في آسيا. 
وبعد الشعور بالرضا عن النفس لما قام به حتى الآن حوّل ترامب نظره إلى أفغانستان التي تخوض فيها أمريكا أطول حروبها في التاريخ. وقام القائد الأعلى وفي استعراض مخيف للقوة بتوجيه أكبر قنبلة تملكها الولايات المتحدة بدون اللجوء للقوة النووية. وتصف الصحيفة أن إسقاط القنبلة المعروفة بأم القنابل والقنبلة الوحش ويصل ترددها على مدى ميل باستعراض لألعاب الحروب. 
وقد تكون قتلت عدداً من ناشطي تنظيم الدولة وربما لم تقتل فهذه ليست القضية. فالهدف مرة أخرى هو إظهار القوة الأمريكية. كما ولم يكن تنظيم «الدولة» أو طالبان المقصودين بها بل كوريا الشمالية التي نشر فيها وبقلق مبرر من الصين اسطولاً /أرمادا/ من السلاح النووي لإجبار بيونغيانغ على الاستسلام. 
وعبر كل هذه التصرفات التي تمت على مدى مئة يوم تقريباً فقد أدخل ترامب العالم من موسكو إلى الشرق الأوسط وبكين في مرحلة من عدم الاستقرار.

مقامرات

وتصف «أوبزيرفر» الطريقة التي غير فيها ترامب مواقفه كمقامر في دكان رهان يراهن بناء على مشاعره. وفي حالة كوريا الشمالية فلو كان رهان ترامب خاطئاً فالنتيجة ستكون كارثية. 
وترى الصحيفة أن سياسة الردع ضرورية وتلعب دوراً على المستوى الدولي بل كانت الطريقة الوحيدة الذي حافظ فيها العالم على ميزان القوة في أثناء الحرب الباردة. فالرد الإيجابي على فعل النظام السوري قد يمنعه من استخدام السلاح الكيميائي. 
وربما كانت الصين بحاجة لهزة كيف تتحرك وتحد من نشاطات النظام الكوري الشمالي. وبالمثابة نفسها فهزيمة تنظيم الدولة ضرورية. إلا أنه وكما يعرف المنظروف الاستراتيجيون والسياسيون المجربون فإن الوسائل غير الأكيدة لهذه النهايات المطلوبة عادة ما تحاط بتعقيدات عميقة ودقائق ومناطق رمادية. فإرسال القنابل وراء القنابل لن يحل أية مشكلة. 
وعادة ما يؤدي العنف إلى مزيد من العنف «فالعالم خارج برج ترامب ومنتج مار ـ إي ـ لاغو ليس ساحة لإطلاق النار» كما أن الحرب والسلم ليسا لعبة صفرية. وتختم الصحيفة بالقول إن الرئيس الأمريكي لم يعد يقدم برنامجاً في تلفزيون الواقع فهو يتعامل مع الواقع الحقيقي ولو أثبت «ترامب المفجر» شيئاً خلال الأشهر الثلاثة الماضية فقد كشف عن غياب الحكم على الأمور والحس العام والإنسانية العامة، وهي صفات مهمة لأن تكون قائداً أعلى للقوات المسلحة. ويبدو هذا الواقع واضحاً لو تم تسليطه على العلاقة التقليدية بين الولايات المتحدة وتركيا.

دروس التاريخ

ففي مقال تحليلي كتبه الباحث التركي محمد شكرو هاني أوغلو البروفيسور في جامعة برنستون عن مسار العلاقات الأمريكية – التركية قال فيه إنها تسير نحو الإنهيار. وذكر الكاتب في بداية مقاله الذي نشر بمجلة «ناشونال إنترست» بما قاله الوزير العثماني المؤيد للغرب في عام 1869 محمد فؤاد باشا «من الأحسن التخلي عن بعض أقاليمنا بدلاً من تخلي بريطانيا عنا». وكرد على تعليقه جعلت بريطانيا من سياسة حماية وحدة الأراضي العثمانية عمادًا للسياسة الخارجية ومواجهة الطموحات الروسية. إلا أن الأهمية التي حملها التحالف بين البلدين في خمسينات القرن التاسع عشر تراجعت حيث أصبحت كل من لندن واسطنبول وبحلول عام 1914 في حالة عداء واضحة. 
وحسبما قال رئيس الوزراء البريطاني هيربرت أسكويث فقد كانت بلاده مصممة «على وضع المسمار الأخير في نعش التسيد العثماني ليس فقط في أوروبا ولكن في آسيا أيضا». وجاء الرد من الدولة العثمانية ووصف الحكومة البريطانية بأنها «العدو الأكبر ليس للسلطان ولكن للإسلام». 
ويرى الكاتب أن التحالف الانكلو ـ عثماني يجب أن يقدم لصناع السياسة اليوم كنموذج مفيد لتقييم العلاقات المضطربة بين الولايات المتحدة وتركيا. فالفترة ما بين حرب القرم 1853 ـ 1856 وعام 1914 تشبه الفترة التي أدت لقبول تركيا في حلف الناتو. 
فالتحالفات التي تشكلت، مثل الأنكلو ـ عثماني نتيجة للتحديات الخارجية بين قوى تنظر للطرف الآخر بأنه «آخر» قد تنهار وتتدهور بعدما يتلاشى الخطر. فرغم أن التحالف الأنكلو ـ الروسي الذي تشكل في القرن التاسع عشر فيما عرف باللعبة الكبرى في آسيا جعل من الدولة العثمانية غير مهمة إلا أن بريطانيا رأت في العثمانيين حاجزاً مهماً ضد الطموحات الروسية. 
وفي السياق نفسه رأى العثمانيون في التحالف مع بريطانيا عاملاً مهماً لمواجهة المخاطر النابعة من الجارة الروسية والنمساوية. ومع اختلاف المفاهيم بين الدولتين حيث رأى العثمانيون في البريطانيين شعباً لا يمكن الثقة به لأنه غير مسلم إلا أن التعاون تطور في المجالين العسكري والاقتصادي ووصل ذروته في حرب القرم عام 1853.

العلاقة العثمانية ـ الأمريكية

يقول الكاتب إن أمريكا أبدت عدم اهتمام بالدولة العثمانية بشكل يذكر بمقولة السياسي الألماني بيسمارك «تركيا الأوروبية لا تساوي حتى عظمة جندي بروميني». وقاتلت كل من الدولة العثمانية وأمريكا على الطرف الآخر من الحرب العالمية الثانية إلا أنهما لم تصطدما عسكرياً. 
وذكر وودرو ويلسون الدولة العثمانية في مبادئه الـ 14 لكنه لم يشارك وبشكل فاعل في تقسيم الدولة العثمانية. ولم ترسل أمريكا مراقبين إلا بقدر لمؤتمر لوزان 1922 ـ 1923 والذي شهد توقيع المعاهدة الأخيرة بين المنتصرين في الحرب العالمية الأولى وتركيا. 
ومع أن الولايات المتحدة ساعدت تركيا على رفض المطالب البريطانية في نفط الموصل من خلال شركة النفط التركية وأمنت المصالح النفطية للشركاتها النفطية إلا أن تركيا لم تكن تساوي عظمة جندي أمريكي.

عهد الجمهورية

ونظراً للبعد بين البلدين واختلاف الثقافات إلا أن المراسلات بين مصطفى كمال أتاتورك والرئيس دويت روزفلت تكشف عن رؤية الأخير لتركيا كنموذج للمنطقة. ومع بداية الحرب الباردة تحركت الولايات المتحدة في عهد هاري ترومان للتعاون مع تركيا لوقف التوسع السوفييتي. 
ونظراً لتهديدات جوزيف ستالين بضم إقليمين في شرق الأناضول إلى «الأرض الأم» ومطالبته بسيطرة مشتركة على المضائق البحرية فقد طلبت تركيا حماية من الولايات المتحدة. وبعد انضمام تركيا لحلف الناتو عام 1952 تطورت علاقة مماثلة بين تركيا وبريطانيا. 
ويعتقد هاني أوغلو أن هناك وجوه شبه بين التحالف الأنكلو ـ عثماني والتحالف الأمريكي ـ التركي لدرجة أن القارئ للتاريخ ينساق للاعتقاد أنهما استمرار لبعضهما البعض. 
ويرصد الكاتب خمسة ملامح شبه وهي تسويق الشراكة واستمرار الخلافات الثقافية والتنافس الإقليمي والعلاقات غير المتماثلة والتدخلات المحلية في الشؤون المحلية.

تسويق العلاقة

يقول إن الشراكة الأنكلو ـ عثمانية فشلت بسبب عدم قدرة الطرفين على تسويق العلاقة للرأي العام واستمرت المواقف السلبية في الصحافة البريطانية من الأتراك. 
ففي عام 1791 عندما ناقش البرلمان دعم العثمانيين ضد الروس رفض إدموند بيرك وقال إنه يكره «هذه النزعة المعادية للصليبيين» و»دعم البرابرة» ولم يتغير الوضع في أثناء حروب الإستقلال اليونانية ما بين 1821 ـ 1829 حيث اتهم العثمانيون بقتل المسيحيين العزل. 
إلا أن النظرة تغيرت مع التنظيمات العثمانية عام 1839 حيث نظر للعثمانيين والجهود الإصلاحية بأنها ليبرالية ومتوافقة مع القيم الغربية. ومع حرب القرم تم التعامل معها كمعركة مشتركة بين بريطانيا والعثمانيين للدفاع عن القيم الليبرالية. 
ومع ذلك فالسياسات التي نجمت عن التنظيمات مثل المساواة التي منحها السلطان عبد المجيد لغير المسلمين أسهمت في ردة فعل وانفصام بين المركز والأقاليم غير المسلمة في الدولة. وقاد هذا إلى قمع للحركات المطالبة بمزيد من المطالبة بالمساواة. وأدى إلى ردة فعل سلبية من الإعلام والرأي العام. ونتيجة لهذا راقبت بريطانيا وبدم بارد هزيمة العثمانيين على يد الروس فيما بين 1877- 1878. 
ومع وصول عبد الحميدالثاني للسلطة وتبنيه فكرة «الجامعة الإسلامية» كرد على سياسات الإمبراطورية البريطانية في الهند ومصر ردت هذه بالعودة إلى التعامل مع تركيا العثمانية كثقافة مختلفة. وفي السياق نفسه كان العثمانيون يعتقدون أن بريطانيا لديها يد خفية في محاولات بناء مملكة أرمينية وفصل مقدونيا عن جسد الدولة. 
ومع تراجع التهديد الروسي طورت بريطانيا تحالفاً معها للتعاون في وسط آسيا. وبحلول عام 1907 كان التحالف الأنكلو ـ عثماني قد انتهى إلا أن أياً من الطرفين لم يعترف بالواقع وظلا يتصرفان لسبع سنوات أخرى وكأن التحالف قائم بينهما.

أمريكا والدولة الحديثة

وفي السياق الأمريكي لم تتطور العلاقة بين البلدين إلا بعد الحرب العالمية الثانية وتحولت تركيا من نظام الحزب الواحد للأحزاب المتعددة حيث أصبحت الدولة الجزء الاكثر ديمقراطية شرق الديمقراطية الغربية. وفي أثناء الحرب الكورية أرسلت أنقرة فرقة عسكرية كانت الثالثة من حيث الحجم بعد الولايات المتحدة وبريطانيا. 
ووصفها آيزنهاور قائلاً «لا شك ان الجيش التركي هو الأقوى والأكثر مصداقية لحماية الحضارة الغربية». 
ولم تثر تصريحات آيزنهاور اهتمام الرأي العام الأمريكي بتركيا وهو ما ساعد الحكومة الأمريكية على تجاوز مظاهر القصور في الديمقراطية التركية خاصة في العقود الاولى من الحرب الباردة. 
وقدمت مجلة «تايم» مثلاً النخبة التركية العلمانية بأنها «فنلنديون ولكن يعيشون في الجبال». وقدمت صورة عن دولة علمانية مسلمة تعيش في منطقة مضطربة. وكان لاعتراف تركيا بإسرائيل عام 1949 دور في تعزيز هذه الصورة. 
وغضت واشنطن الطرف عن سياسة القمع وانتهاكات حقوق الإنسان في تركيا طالما استمرت هذه بدعم المصالح الأمريكية. إلا أن الحرب الأهلية في قبرص سببت صداعاً للعلاقة بين واشنطن وانقرة أكثر من الإنقلاب الذي نفذه الجيش التركي. وظلت الخارجية الأمريكية ووزارة الدفاع تتجاوزان عن النقد الموجه لتركيا من اللوبيات اليونانية والأرمينية في الولايات المتحدة. 
لكن انهيار الاتحاد السوفييتي جعل من الولايات المتحدة تلتفت للوضع الداخلي في تركيا والعلاقة بين الدولة والأكراد الذي يطالبون بالإنفصال. وبدأ قطاع كبير من الأتراك بالشعور أن للولايات المتحدة يداً خفية في مشاكل البلاد ودعم الطموحات الكردية بفصل جنوب- شرق البلاد.

الإسلاميون

ومن قضايا الخلاف بين تركيا والولايات المتحدة كان الموقف من الإسلاميين. فقد دعمت واشنطن الحركات الإسلامية في فترة الحرب الباردة باعتبارها وسيلة جيدة لمواجهة الشيوعية وحثت النخبة العلمانية الحاكمة في تركيا على عدم قمع الملتزمين بالدين وأملت بعد انتخاب حزب العدالة والتنمية عام 2002 بنشر النموذج المعتدل من الإسلام السياسي. ولم تبدأ أمريكا في تقبل رؤية النخبة العلمانية حول الإسلاميين إلا بعد هجمات 9/11.

ندم

ويقول الكاتب إن الولايات المتحدة ندمت على دعمها لرجب طيب أردوغان الذي أبدى مشاعر معادية للغرب ووصف الإتحاد الأوروبي بـ «النادي المسيحي» ودعا المسلمين في العالم للوحدة ومنع «رموز مثل لورنس العرب» من احتلالهم. كما أظهر أردوغان ميلاً نحو القيادة في العالم الإسلامي وبات يتحدث عن صدام الحضارات متهماً الغرب بشن حرب صليبية على العالم الإسلامي. وتذكر كراهية أمريكا لأردوغان بموقف بريطانيا من السلطان عبد الحميد الذي رفع راية حماية الإسلام. وبطريقة مماثلة صار أردوغان يمثل الثقافة المختلفة والاستبداد بدلاً من كونه منافحاً عن القيم الليبرالية والديمقراطية الغربية. وفي هذا الإطار بات قطاع من الأتراك يرون في تركيا ذئباً في ثوب حمل يعمل على تقسيم تركيا.

البعد الجغرافي

من العوامل التي دفعت العثمانيين للتحالف مع بريطانيا كان بعد المسافة الجغرافية بين البلدين. وظن المسؤولون في الباب العالي أن لندن لا طموحات لها بالشرق الأوسط ولن تتدخل والحالة هذه بالشؤون الداخلية. ولم تكن هذه النظرة صحيحة فقد دعمت بريطانيا الجماعات غير المسلمة ونصحت الدولة العثمانية بمنح الحقوق للأقليات حتى تحكم لندن سيطرتها عليها. وغضبت تركيا العثمانية من موقف بريطانيا الداعم للطموحات التوسعية لليونانيين ودعمها للإنفصاليين الصرب والمقدونيين والبلغار. 
وتدهور الحلف الأنكلو ـ عثماني أكثر عندما أصبحت بريطانيا جارة. فعلى خلاف القوى الأخرى كان لبريطانيا رؤية لمستقبل المنطقة. وأدى هذا إلى خصومات بين الدولتين خاصة عندما دعمت شيوخ الخليج في الكويت والبحرين وقطر. وتجاهلت بريطانيا احتجاجات اسطنبول عندما قالت إن مواطني هذه المناطق لا يمكنهم التفاوض مع قوى أجنبية لأنهم تابعون للدولة العثمانية.

سمعة جيدة

قبل الحرب العالمية الثانية تمتعت أمريكا بسمعة طيبة في المنطقة لبعدها الجغرافي ولعدم تدخلها في الشؤون الداخلية، بل نظر إليها كقوة معادية للإمبريالية. 
ودعا عدد من المثقفين لانتداب أمريكي على تركيا في عام 1918 وترتيبات مماثلة في سوريا. وعندما وجدت تركيا نفسها مهددة من الإتحاد السوفييتي لم يكن أمامها خيار إلا الطلب من أمريكا مساعدتها. 
واعتقد الأتراك أن البعد الجغرافي وعدم اهتمام واشنطن بالمنطقة سيجعلهم المنظور الذي ترى من خلاله أمريكا مشاكل المنطقة وتقدم الدعم غير المشروط لهم وتغض الطرف عن معاملتهم للمعارضة. 
ومع أنه لا تداخل في الرؤية بين بريطانيا القرن التاسع عشر وأمريكا القرن العشرين إلا أن أمريكا كانت مستعدة للتغاضي عن تصرفات تركيا طالما لم تضر بمصالحها. وفي الوقت نفسه لم تصمم سياساتها بالمنطقة بناء على المصالح التركية. وفي عام 1964 أرسل ليندون جونسون رسالة للقيادة التركية حذرها من التدخل في قبرص وحظر عليهم استخدام أي من الأسلحة الامريكية فيها. 
وأثارت الرسالة مخاوف الأتراك الذين شعروا أنه لا يمكنهم الإعتماد على أمريكا. وإن نجح جونسون بمنع أنقرة من التدخل في قبرص إلا أن ريتشارد نيكسون لم ينجح عام 1974. ويعلق الكاتب أن اجتياح قبرص يعبر عن الدينامية في العلاقة بين البلدين. فتحالف امريكي ليس ضامناً لتركيا بأن تدير سياستها الخارجية بشكل مستقل. 
وبالنسبة لواشنطن فتقديم مظلة حماية لأنقرة ليس ضامناً لبقائها تحت الجناح الأمريكي. فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي أصبح التعاون صعباً وخلق الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وضعاً مثل توسع بريطانيا في الشرق الأوسط في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وجاء رفض البرلمان التركي السماح للجيوش الأمريكية غزو العراق من الاراضي التركية بناء على مخاوف أن الولايات المتحدة أصبحت قوة إقليمية تهدد المصالح التركية ولشعور الأتراك أن لديها نوايا أخرى. من مثل رسم خريطة جديدة للشرق الأوسط تستجيب للاعبين الأكراد في العراق. ولأن تركيا والولايات المتحدة اصبحتا متنافستان إقليميتان فقد اتهمت واشنطن تركيا بتبني سياسات عثمانية جديدة واعتبرتها والحالة هذه حليفاً لا يوثق به.

عدم توازن

وفي العلاقة بين دولة عظمى وأخرى إقليمية عادة ما يظهر عدم توازن. وبدا هذا واضحاً في التحالف الأنكلو ـ عثماني حيث بات السفير البريطاني «السلطان الصغير» يحكم ويرسم ويتحكم في الحياة السياسية ويعين رجال لندن التي فكرت بدعم انقلاب ضد السلطان عبدالحميد الثاني. 
وحدث هذا في العلاقة الامريكية ـ التركية، فواشنطن وإن ساعدت تركيا على الانضمام لحلف الناتو لم تكن بحاجة لحلفاء في داخل المؤسسة نظراً لكثرتهم. وتغير الوضع عام 1968 عندما بدأت تفضل الأحزاب اليمينية على داعمي حركة عدم الإنحياز مثلاً. وبعد انهيار الإتحاد السوفييتي بدأت واشنطن تتدخل وتنتقد السياسة التركية حيث أصبح المسوؤلون الامريكيون يتحدثون بلسان المعارضة، خاصة بعد نهاية شهر العسل مع حزب العدالة والتنمية الحاكم.
وجاء دعم الولايات المتحدة لأكراد سوريا في الحرب ضد تنظيم الدولة ليزيد من توتر العلاقة. فيما انتقدت إدارة باراك أوباما سياسة أنقرة في سوريا. ووصلت العلاقة مرحلة حاسمة بعد انقلاب 15 تموز/يوليو 2016 الفاشل. 
واتهام أنقرة لواشنطن بتقديم الملجأ لمدبره فتح الله غولن. ومن هنا تدهورت العلاقات بين البلدين أكثر بشكل يجعل من التحالف مماثلاً للتحالف الأنكلو ـ عثماني العاجز في مرحلة ما بعد 1907. وهناك فرصة لإنقاذ التحالف الأمريكي – التركي كما يقول الكاتب. والأسئلة كثيرة والأجوبة مرتبطة بسياسات الإدارة الحالية ونتائج الإستفتاء على الدستور.