فتركيا الجديدة تتحرك في مساحة صغيرة في الشرق الأوسط، وليس في عموم العالم الإسلامي. فإلى جانب إيران، التي مدت السياسة التركية الراهنة جسورا معها، تركز هذه السياسة على منطقة المشرق العربي، خصوصا سوريا والعراق. وتأتي السعودية ومصر في المرتبة الثانية على صعيد أولويات السياسة التركية الراهنة. فهي تتحرك بالأساس في المنطقة التي حلم بعض العرب بتوحيدها عبر مشروعين أهُيل عليهما تراب التاريخ الذي دُفن تحته كثير من الأحلام، وهما "سوريا الكبرى" و "الهلال الخصيب".
ولا نجد في الخطاب السياسي التركي الجديد، الذي تسوده العموميات، تصوراً أكثر تحديداً لمشروع أنقرة في المدى القصير مما قاله أوغلو عقب محادثاته مع رئيس الوزراء اللبناني في 11 يناير الماضي. فقد عبر عن تطلع تركيا إلى تطوير العلاقات التجارية والاقتصادية التي تنامت مع سوريا والأردن ولبنان لتصل إلى صيغة "شينغن" مصغرة تضم العراق أيضا. وتحدث أوغلو عن تطوير ما تم إنجازه مع الدول المشرقية الثلاث على صعيد تحرير التجارة وإلغاء تأشيرات الدخول. واعتبره تمهيدا لإقامة سوق مشتركة صغيرة تتوسع تدريجيا وتشمل دولا أخرى. وخص بالذكر العراق: "نأمل إذا تحسن الوضع في العراق قريبا أن تنضم بغداد إلى المنظومة الجديدة، فتمتد عملية تحرير التجارة بشكل مؤثر وفاعل".
ورغم أن هذه المنظومة التي تضم تركيا وسوريا والأردن ولبنان لا تشمل توحيد تأشيرات الدخول إليها بشكل جماعي، فهي ليست بعيدة كثيراً عن منظومة "شينغن". فقد ألغت هذه الدول التأشيرات بينها على أساس ثنائي: سوريا والأردن، سوريا ولبنان، الأردن ولبنان، وبالتالي أصبح ممكناً مقارنتها بمنظومة "شينغن" الأوروبية.
وما كان للتحرك التركي أن يخطو مثل هذه الخطوات السريعة إلا لتوافق ضمني حدث بين أنقرة التي تعتبر الجار السوري مدخلها الرئيس إلى المنطقة التي غابت عن تفاعلاتها طويلا، ودمشق التي تتجه إلى إعطاء أولوية في سياستها الإقليمية لعلاقاتها مع كل من إيران وتركيا. ولذلك لم تبالغ زينب جورباتلي، المحررة في صحيفة "حريات"، عندما كتبت أنه "لم يحدث أن تعاونت تركيا مع دولة أجنبية تعاونها الراهن مع سوريا".
لكن نجاح تركيا في بناء نواة سوق مشتركة مع لبنان والأردن أيضا، إلى جانب سوريا، يعود إلى ديناميكية سياستها الجديدة وسعيها الدؤوب إلى حل النزاعات والخلافات بين دول المنطقة. لهذا السبب، لم يكن كلام الرئيس بشار الأسد عن دور تركيا في المصالحة السورية -اللبنانية مفاجئا. كان الأسد يتحدث في دمشق عقب اجتماع المجلس الاستراتيجي بين دمشق وأنقرة في الأسبوع الأخير من ديسمبر 2009 عندما تطرق إلى دور تركي بين بلاده ولبنان قال إن "قلة من الناس تعرف عنه".
ولم يكن ممكنا لهذا الدور أن يحقق النجاح الذي بلغه، بدون تجسير الفجوة بين سوريا والسعودية. لذلك فالأرجح أن الدور التركي ساهم في تحقيق المصالحة بين هاتين الدولتين، بعد أن كان قد أخفق في تحسين العلاقات بين القاهرة ودمشق خلال وبعد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
ورغم أن السعودية، ليست ضمن الأولويات التركية حالياً، فقد حدث تطور كبير في العلاقات بين الدولتين بدأ بزيارة الملك عبدالله بن عبدالعزيز عام 2006، والتي كانت الأولى من نوعها على مدى أكثر من أربعة عقود، لعاهل سعودي إلى تركيا، وأخذ دفعة قوية عبر زيارة الرئيس عبدالله غول في فبراير 2009 للسعودية. فقد زاد حجم التجارة بينهما من 3.3 مليار دولار عام 2006 إلى 5.6 مليار عام 2009، فضلاً عن تنامي الاستثمارات المتبادلة. لكن هذه العلاقات لم تصل إلى المستوى الذي بلغته علاقات تركيا مع سوريا والأردن ولبنان.
وينطبق ذلك أيضاً على العلاقات التركية- المصرية التي شهدت نقلة جديدة كمياً، وليس نوعياً، خلال زيارة أوغلو إلى القاهرة في الأسبوع الماضي. فالجمود النسبي في سياسة مصر الخارجية يضع سقفاً لتطور علاقاتها مع تركيا. وإذ تدرك أنقرة ذلك، فهي تحرص في المقام الأول على كسب ثقة القاهرة وإقناعها بأن عودة تركيا إلى الشرق الأوسط لن تكون على حسابها.
وهكذا تبدو الأولوية القصوى في سياسة تركيا العربية الآن لسوريا والأردن ولبنان في المدى القصير، وربما المتوسط الذي يمتد إلى خمس سنوات، ثم العراق الذي تتطلع أنقرة إلى استقرار الأوضاع فيه وتستعد لتعميق العلاقات معه بعد أن وضعت أساساً قوياً لهذا التطور من خلال مجلس تعاون استراتيجي رفيع المستوى ويشمل اهتمامه الطاقة والتجارة والاقتصاد والمال وتكنولوجيا الاتصالات والزراعة وغيرها.
ولا يرجع هذا الاهتمام الفائق بالعراق إلى طموح تركيا لمشاركة إيران نفوذها الذي ازداد في هذا البلد العربي فقط، وإنما إلى أهميته البالغة من أجل إكمال المنظومة التي نجحت في إقامتها مع سوريا والأردن ولبنان. فإذا كانت طهران آيات الله لم تنس أن بلاد الرافدين كانت ذات يوم موضع صراع عنيف بين إيران الصفوية وتركيا العثمانية، فإن هذا التاريخ لم يسقط أيضاً من ذاكرة أنقرة الجديدة، لكنها باتت تنظر إلى المستقبل بمنظار حديث ترى من خلاله دورها ضمن مشروع تقود عبره المنطقة إلى سلام وبناء وازدهار وليس إلى حرب ودمار وخراب.
وهذا هو ما تسعى إليه السياسة التركية الجديدة التي تفيد المؤشرات حتى الآن أنها تقوم على دوائر عدة أضيقها وأكثرها أهمية لديها حالياً دائرة المشرق العربي والعراق. ونظراً لصعوبة ضم إيران إلى هذه الدائرة، تؤيد تركيا الفكرة التي يطرحها الرئيس الأسد من وقت لآخر حول "اتحاد رباعي" يضم دمشق وأنقرة وطهران وبغداد. وتأتي بعد ذلك دائرة تضم دول مجلس التعاون الخليجي ومصر، لكن معالمها لا تبدو واضحة في الخطاب التركي حتى الآن.
وقد لا تكون هذه الدائرة قائمة بذاتها وإنما جزء من الصورة التي تحلم بها تركيا لمستقبل المنطقة في إطار "اتحاد شرق أوسطي" مازال غامضاً، وسيظل كذلك لفترة قد تطول.
وإذا كان الأكثر تحديداً ووضوحاً وتبلوراً في سياسة أنقرة الجديدة هو تصورها لاتحاد اقتصادي تجاري مع سوريا والأردن ولبنان، فالسؤال هو: هل توحد تركيا المشرق العربي الذي ظلت دوله الثلاث في حال صراع حاد، انغمس فيه الفلسطينيون أيضاً، على مدى أكثر من نصف قرن؟
الاتحاد



شريط مصور يظهر كيف قتل الاسرائليون الشهيد فرقان
الإعلام التركي يكشف عن قائمة الموت الاسرائيلية
قتلى بهجوم إسرائيل على الحرية\ فيديو 










